ابن كثير

68

طبقات الشافعية

يوم أو ذات ليلة : ها هنا رجل من قريش له بيان ومعرفة ، فقلت له : من هو ؟ قال : محمّد بن إدريس الشّافعي ، وكان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق ، فلم يزل بي حتّى أخطرني إليه وكان الشّافعي قبالة الميزاب ، فجلسنا إليه ، ودارت مسائل ، فلمّا قمنا قال لي أحمد بن حنبل : كيف رأيت ؟ فجعلت أتتبّع ما كان أخطأ فيه ، وكان ذلك منّي بالقرشيّة يعني معنى الحسد ، وكان أحمد قانت لا يرضى أن يكون رجل من قريش تكون له هذه المعرفة وهذا البيان أو نحو هذا من القول عن مائة مسألة يخطئ خمسا أو عشرا اترك ما أخطأ وخذ ما أصاب ؛ قال : فكان كلامه وقع في قلبي فجالسته فغلبتهم عليه ، فلم يزل يقدم مجلس الشّافعي رضي اللّه عنه حتّى لا كان يقرب مجلس سفيان . قال : وخرجت مع الشّافعي إلى مصر ، وكان هو شاركنا في العلوّ ونحن في الأوسط ، فربّما خرجت في بعض اللّيالي فأرى المصباح فأصيح : يا غلام فيسمع صوتي فيقول : بحقّي عليك ارق فأرقى فإذا قرطاس ودواة فأقول فيه : يا عبد اللّه ، فيقول : نفكّر في معنى حديث أو مسألة فخفت أن يذهب عليّ فأمرت بالمصباح وكتبته . قلت : صنّف « 52 » كتبه الجديدة كلّها بمصر في مدّة نحو خمس سنين رحمه اللّه . وقال ابن أبي الدّنيا « 53 » : سمعت أبا سعيد أحمد بن عبد اللّه بن قنبل قال : سمعت الشّافعي رضي اللّه عنه يقول : قلت بيتين من الشّعر « 54 » : لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر * ومن دونها أرض المفاوز والقفر فو اللّه ما أدري إلى الخفض والغنى * أساق إليها أم أساق إلى القبر قال ابن سعيد : فسيق واللّه إليهما جميعا رحمه اللّه ورضي عنه . وقال الحافظ أبو بكر الخطيب : أخبرنا أبو نعيم حدّثنا أبو بكر محمّد بن إبراهيم بن علي سمعت إبراهيم بن علي بن عبد الرّحمن بالموصل يحكي عن

--> ( 52 ) هديّة العارفين 2 / 92 ، وفيها : الكتاب القديم ، والكتاب الجديد ، وغير ذلك . ( 53 ) لعلّه : عبد اللّه بن محمّد بن عبيد ابن أبي الدّنيا ، أبو بكر ، محدّث حافظ مشارك في أنواع من العلوم ، توفّي سنة 281 ه . كحالة 6 / 131 . وكشف الظنون 2 / 1409 . ( 54 ) الدّيوان ص 47 .